تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 199 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 199

199 : تفسير الصفحة رقم 199 من القرآن الكريم

** يَأَيّهَا النّبِيّ جَاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوَاْ إِلاّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لّهُمْ وَإِن يَتَوَلّوْا يُعَذّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ
أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم, كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين, وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الاَخرة, وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف: سيف للمشركين {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} وسيف لكفار أهل الكتاب {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاَخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} وسيف للمنافقين {جاهد الكفار والمنافقين} وسيف للبغاة {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير.
وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {جاهد الكفار والمنافقين} قال: بيده فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه. وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم, وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف واغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم, وعن مقاتل والربيع مثله, وقال الحسن وقتادة مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم, وقد يقال إنه لا منافاة بين هذه الأقوال لأنه تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا بحسب الأحوال, والله أعلم. وقوله: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي وذلك أنه اقتتل رجلان جهني وأنصاري فعلا الجهني على الأنصاري, فقال عبد الله للأنصار ألا تنصروا أخاكم ؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك, وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل, فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله, فأنزل الله فيه هذه الاَية, وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: فحدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: حزنت على من أصيب بالحرة من قومي فكتب إلي زيد بن أرقم وبلغه شدة حزني يذكر أنه سمع رسول الله يقول: «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار» وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار قال ابن الفضل: فسأل أنس بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم فقال: هو الذي يقول لهرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوفى الله له بإذنه» قال: وذلك حين سمع رجلاً من المنافقين يقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب: لئن كان صادقاً فنحن شر من الحمير, فقال زيد بن أرقم: فهو والله صادق ولأنت شر من الحمار. ثم رفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجحده القائل فأنزل الله هذه الاَية تصديقاً لزيد, يعني قوله: {يحلفون بالله ما قالو} الاَية, رواه البخاري في صحيحه عن إسماعيل بن أبي أويس عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ـ إلى قوله ـ هذا الذي أوفى الله له بإذنه, ولعل ما بعده من قول موسى بن عقبة, وقد رواه محمد بن فليح عن موسى بن عقبة بإسناده: ثم قال قال ابن شهاب فذكر ما بعده عن موسى عن ابن شهاب.
والمشهور في هذه القصة أنه كانت في غزوة بني المصطلق فلعل الراوي وهم في ذكر الاَية, وأراد أن يذكر غيرها فذكرها,والله أعلم. قال الأموي في مغازيه: حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذني قومي فقالوا: إنك امرؤ شاعر فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض العلة ثم يكون ذنباً تستغفر الله منه, وذكر الحديث بطوله إلى أن قال: وكان ممن تخلف من المنافقين ونزل فيه القرآن منهم ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم الجلاس بن سويد بن الصامت, وكان على أم عمير بن سعد, وكان عمير في حجره, فلما نزل القرآن وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقاً فيما يقول لنحن شر من الحمير ؟ فسمعها عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليّ وأحسنهم بلاء عندي وأعزهم عليّ أن يصله شيء يكرهه, ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن كتمتها لتهلكني, ولإحداهما أهون عليّ من الأخرى, فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال الجلاس, فلما بلغ ذلك الجلاس خرج حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فحلف بالله ما قال ما قال عمير بن سعد ولقد كذب علي, فأنزل الله عز وجل فيه {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} إلى آخر الاَية, فوقفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته ونزع فأحسن النزوع.
هكذا جاء هذا مدرجاً في الحديث متصلاً به وكأنه والله أعلم من كلام ابن إسحاق نفسه لا من كلام كعب بن مالك, وقال عروة بن الزبير: نزلت هذه الاَية في الجلاس بن سويد بن الصامت, أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء, فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقاً فنحن أشر من حمرنا هذه التي نحن عليها, فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وخفت أن ينزل فيّ القرآن أو تصيبني قارعة أو أن أخلط بخطيئته, فقلت: يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من قباء فقال كذا وكذا ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك, قال: فدعا الجلاس فقال «يا جلاس أقلت الذي قاله مصعب ؟» فحلف فأنزل الله {يحلفون بالله ما قالو} الاَية وقال محمد بن إسحاق: كان الذي قال تلك المقالة فيما بلغني الجلاس بن سويد بن الصامت فرفعها عليه رجل كان في حجره يقال له عمير بن سعد فأنكرها فحلف بالله ما قالها, فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع وحسنت توبته فيما بلغني, وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم, حدثنا عبد الله بن رجاء, حدثنا إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة فقال: «إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم ـ بعيني الشيطان ـ فإذا جاء فلا تكلموه» فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «علام تشتمني أنت وأصحابك ؟» فانطلق الرجل فجاءه بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم, فأنزل الله عز وجل {يحلفون بالله ما قالو} الاَية, وقوله {وهموا بما لم ينالو} قيل أنزلت في الجلاس بن سويد وذلك أنه هم بقتل ابن امرأته حين قال لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقيل في عبد الله بن أبي, هم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال السدي: نزلت في أناس أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ورد أن نفراً من المنافقين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في غزوة تبوك, في بعض تلك الليالي في حال السير, وكانوا بضعة عشر رجلاً, قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الاَية, وذلك بين فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة من حديث محمد بن إسحاق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوق الناقة أو أنا أسوقه وعمار يقوده حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها, قال فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم, فصرخ بهم فولوا مدبرين فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل عرفتم القوم ؟» قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب قال: «هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا ؟» قلنا: لا, قال: «أرادوا أن يزاحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة فيلقوه منها» قلنا: يا رسول الله أفلا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال: «لا, أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمداً قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم ـ ثم قال ـ اللهم ارمهم بالدبيلة» قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة ؟ قال: «شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك, وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر منادياً فنادى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ العقبة فلا يأخذها أحد فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عماراً وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل عمار رضي الله عنه يضرب وجوه الرواحل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة «قد قد» حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما هبط نزل ورجع عمار فقال يا عمار: «هل عرفت القوم ؟» قال: لقد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال «هل تدري ما أرادوا ؟» قال: الله ورسوله أعلم قال: «أرادوا أن ينفروا برسول اللهـ صلى الله عليه وسلم ـ راحلته فيطرحوه» قال: فسأل عمار رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال: أربعة عشر رجلاً فقال: إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر قال فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علمنا ما أراد القوم فقال عمار أشهد: أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد, وهكذا روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير نحو هذا, وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة, فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون وهم متلثمون فأرادوا سلوك العقبة, فأطلع الله على مرادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر حذيفة فرجع إليهم فضرب وجوه رواحلهم ففزعوا ورجعوا مقبوحين, وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة وعماراً بأسمائهم وما كانوا هموا به من الفتك به صلوات الله وسلامه عليه وأمرهما أن يكتما عليهم, وكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق, إلا أنه سمى جماعة منهم, فا لله أعلم.
وكذا قد حكي في معجم الطبراني قاله البيهقي, ويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم: حدثنا زهير بن حرب حدثنا أبو أحمد الكوفي, حدثنا الوليد بن جميع, حدثنا أبو الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس, فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة ؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك ؟ فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر, وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد, وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا علمنا بما أراد القوم ؟ وقد كان في حرة يمشي فقال: إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد, فوجد قوماً قد سبقوه فلعنهم يومئذ, وما رواه مسلم أيضاً من حديث قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عباد عن عمار بن ياسر قال: أخبرني حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «في أصحابي اثنا عشر منافقاً لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط: ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة سراج من نار تظهر بين أكتافهم حتى ينجم في صدورهم» ولهذا كان حذيفة يقال له صاحب السر الذي لا يعلمه غيره أي من تعيين جماعة من المنافقين وهم هؤلاء قد أطلعه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره, والله أعلم, وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة, ثم روي عن علي بن عبد العزيز عن الزبير بن بكار أنه قال: هم معتب بن قشيرة ووديعة بن ثابت وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف والحارث بن يزيد الطائي وأوس بن قيظي والحارث بن سويد وسعد بن زرارة وقيس بن فهد وسويد بن داعس من بني الحبلى وقيس بن عمرو بن سهل وزيد بن اللصيت وسلالة بن الحمام وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام.
وقوله تعالى: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} أي وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن سعادته, ولو تمت عليه السعادة لهداهم الله لما جاء به كما قال صلى الله عليه وسلم للأنصار: «ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي, وعالة فأغناكم الله بي» كلما قال شيئاً قالوا الله ورسوله أمنّ. وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب, كقوله: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله} الاَية. وقوله عليه السلام «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله» ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة فقال {فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والاَخرة} أي وإن يستمروا على طريقهم يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا أي بالقتل والهم والغم, والاَخرة أي بالعذاب والنكال والهوان والصغار {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} أي وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم لا يحصل لهم خيراً ولا يدفع عنهم شراً.

** وَمِنْهُمْ مّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصّدّقَنّ وَلَنَكُونَنّ مِنَ الصّالِحِينَ * فَلَمّآ آتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلّواْ وّهُمْ مّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىَ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنّ اللّهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ
يقول تعالى ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله وليكونن من الصالحين, فما وفى بما قال ولا صدق فيما ادعى, فأعقبهم هذا الصنيع نفاقاً سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله عز وجل يوم القيامة عياذاً بالله من ذلك, وقد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس والحسن البصري أن سبب نزول هذه الاَية الكريمة في ثعلبة بن حاطب الأنصاري, وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير ههنا, وابن أبي حاتم من حديث معان بن رفاعة عن علي بن يزيد عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية عن أبي أمامة الباهلي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري, أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يرزقني مالاً, قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه» قال: ثم قال مرة أخرى فقال: «أما ترضى أن تكون مثل نبي الله ـ فو الذي نفسي بيده لو شئت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضةً لسارت» قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم ارزق ثعلبة مالاً» قال فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما, ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة, وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة, فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فعل ثعلبة ؟» فقالوا: يا رسول الله اتخذ غنماً فضاقت عليه المدينة, فأخبروه بأمره, فقال: «يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة».
وأنزل الله جل ثناؤه {خذ من أموالهم صدقة} الاَية, ونزلت فرائض الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة من المسلمين رجلاً من جهينة ورجلاً من سليم وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين, وقال لهما: «مرا بثعلبة وبفلان ـ رجل من بني سليم ـ فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا ؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليّ فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بهما, فلما رأوها قالوا ما يجب عليك هذا وما نريد أن نأخذ هذا منك, فقال: بلى فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة وإنما هي لله, فأخذاها منه ومرا على الناس فأخذا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: أروني كتابكما فقرأه فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي, فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآهما قال: «يا ويح ثعلبة» قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي بالبركة فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي, فأنزل الله عز وجل {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} الاَية, قال وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا, فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه صدقته, فقال: ويحك إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك» فجعل يحثو على رأسه التراب, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني» فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل صدقته رجع إلى منزله, فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئاً, ثم أتى أبا بكر رضي الله عنه حين استخلف فقال قد علمت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي, فقال أبو بكر لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يقبلها, فقبض أبو بكر ولم يقبلها.
فلما ولي عمر رضي الله عنه أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك ؟ فقبض ولم يقبلها, فلما ولي عثمان رضي الله عنه أتاه فقال: اقبل صدقتي فقال لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك ؟ فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة في خلافة عثمان, وقوله تعالى: {بما أخلفوا الله ما وعدوه} الاَية, أي أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم كما في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان» وله شواهد كثيرة, والله أعلم. وقوله: {ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم} الاَية, يخبر تعالى أنه يعلم السر وأخفى, وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها فإن الله أعلم بهم من أنفسهم, لأنه تعالى علام الغيوب أي يعلم كل غيب وشهادة وكل سر ونجوى ويعلم ما ظهر وما بطن.

** الّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَاتِ وَالّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
وهذا أيضاً من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم, إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراء, وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا, كما روى البخاري حدثنا عبيد الله بن سعيد, حدثنا أبو النعمان البصري, حدثنا شعبة عن سليمان عن أبي وائل عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا, فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مرائي, وجاء رجل فتصدق بصاع: فقالوا إن الله لغني عن صدقة هذا. فنزلت {الذين يلمزون المطوعين} الاَية. وقد رواه مسلم أيضاً في صحيحه من حديث شعبة به, وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد حدثنا الجريري عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال: حدثني أبي أو عمي أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع وهو يقول: «من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة» قال: فحللت من عمامتي لوثا أو لوثين وأنا أريد أن أتصدق بهما, فأدركني ما يدرك ابن آدم فعقدت على عمامتي, فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلاً أشد منه سواداً ولا أصغر منه ولا أدم, ببعير ساقه لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها فقال: يا رسول الله أصدقة ؟ قال: «نعم» قال: دونك هذه الناقة, قال فلمزه رجل فقال: هذا يتصدق بهذه فو الله لهي خير منه. قال: فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «كذبت بل هو خير منك ومنها» ثلاث مرات, ثم قال: «ويل لأصحاب المئين من الإبل» ثلاثاً قالوا إلا من يا رسول الله ؟ قال: «إلا من قال بالمال هكذاوهكذا» وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله ثم قال: «قد أفلح المزهد المجهد» ثلاثا. المزهد في العيش, المجهد في العبادة, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الاَية قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام, فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء, وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا الصاع.
وقال العوفي عن ابن عباس: إن رسول الله خرج إلى الناس يوماً فنادى فيهم أن اجمعوا صدقاتكم, فجمع الناس صدقاتهم, ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر, فقال: يا رسول الله هذا صاع من تمر بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما وأتيتك بالاَخر, فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقات, فسخر منه رجال وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا وما يصنعون بصاعك من شيء, ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل بقي أحد من أهل الصدقات ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يبق أحد غيرك» فقال له عبد الرحمن بن عوف فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات, فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمجنون أنت ؟ قال ليس بي جنون, قال أفعلت ما فعلت ؟ قال: نعم مالي ثمانية آلاف أما أربعة آلاف فأقرضها ربي وأماأربعة آلاف فلي, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت» ولمزه المنافقون فقالوا والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء وهم كاذبون إنما كان به متطوعاً, فأنزل الله عز وجل عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر فقال تعالى في كتابه: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} الاَية, وهكذا روي عن مجاهد وغير واحد وقال ابن إسحاق: كان من المطوعين من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف تصدق بأربعة آلاف درهم وعاصم بن عدي أخو بني العجلان, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في الصدقة وحض عليها فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف وقام عاصم بن عدي وتصدق بمائة وسق من تمر فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء, وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف, أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا طالوت بن عباد, حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثاً» قال فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال يا رسول الله: عندي أربعة آلاف, ألفين أقرضهما ربي وألفين لعيالي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت», وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر فقال يا رسول الله: أصبت صاعين من تمر صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي, قال فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء, وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا ؟ فأنزل الله {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم} الاَية, ثم رواه عن أبي كامل عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه مرسلا, قال ولم يسنده أحد إلا طالوت, وقال الإمام أبو جعفر ابن جرير: حدثنا ابن وكيع, حدثنا زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة, حدثني خالد بن يسار عن ابن أبي عقيل عن أبيه, قال: بت أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر, فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به وجئت بالاَخر أتقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فأخبرته, فقال: «انثره في الصدقة» قال فسخر القوم وقالوا لقد كان الله غنياً عن صدقة هذا المسكين, فأنزل الله {الذين يلمزون المطوعين} الاَيتين, وكذا رواه الطبراني من حديث زيد بن حباب به, وقال: اسم أبي عقيل حباب ويقال عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة, وقوله: {فيسخرون منهم سخر الله منهم} هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين, لأن الجزاء من جنس العمل فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصاراً للمؤمنين في الدنيا, وأعد للمنافقين في الاَخرة عذاباً أليماً لأن الجزاء من جنس العمل.